فليعرف العرب من هم و ما رسالتهم
من كتاب : (مستقبل الاسلام خارج أرضه كيف نفكر فيه ؟)
تأليف الشيخ محمد الغزالي رحمه الله
للعرب خصائصهم النفسية والعقلية، ولهم تقاليدهم التي يتحركون في إطارها.
ولا أزعم أن هذه الخصائص والتقاليد ينقلها التاريخ من جيل إلى جيل، أو أنها تلتزم مستوى ثابتا على اختلاف الليل والنهار، وانما أستطيع القول أن العرب أيام البعثة المحمدية كانوا أجدر الناس بظهور النبوة فيهم، وكانوا أقدر الناس على حمل أعبائها وتذليل العوائق التي تعترضها!!
أي أن قوله تعالى "الله أعلم حيث يجعل رسالته " يعم الرسل والأمم التي تسمع منهم وتتلقى عنهم! كانت الخصاثص والتقاليد التي تميز بها العرب هي المرشح الأول لحمل الرسالة الخاتمة، والنفاذ بها من الأسوار الرهيبة التي أقامها الروم والفرس حول خرافاتهم وأهوائهم..!
وحمل الرسالات تكليف قبل أن يكون تكريما، وهومسئولية تعصي أصحابها، وتضعهم بإزار حمل باهظ، وتدبر قوله تعالى يصف أولى العزم من الرسل، "وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا، ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما".
ما أعظم هذه المسئولية وأدق حسابها! إن الوفاء بها قد يرفع إلى الأوج والعبث بها قد يهوي إلى الحضيض!
ومعروف أن العرب هم الجنس السامي، وأن اليهود فرع من هذا الجنس الذي قاد العالم بالوحي أمدا طويلا.. أكان اليهود في شتى الأعصار مساوين أو مقاربين لآبائهم من حملة الوحي؟ كلا، لقد أسفوا كثيرا، وقيل لهم مرارا: "اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين".
وهيهات أن يرشدوا! إن أهواءهم الجامحة قذفت بهم بعيدا عن أماكن القيادة الخلقية.
والمكارم لا تورث، ولكن بقدرما يبذل الإنسان من جهد يحلق أو يهوى!
والعرب الأولون ساندوا نبيهم العظيم وهو يمحو الجاهلية، وخلفوه- بعد لحاقه بالرفيق الأعلى- في مقاومة الليل المخيم على الدنيا فقطعوا أوصال الاستعمار القديم، وأطاحوا بالامبراطوريتين الكبيرتين اللتين أذلتا الجماهير قرونا عددا…
العرب- بالإسلام وحده- دخلوا التاريخ وعرفتهم القارات المعمورة، ولولا الإسلام ما جاوزوا جزيرتهم، ولما كان لديهم شيء يقدمونه للناس! ففضل الإسلام على العرب لا ينكره إلا أفاك جريء.
أما الرومان مثلا فقد دخلوا النصرانية في القرن الرابع الميلادي، ماذا حدث لهم؟ لا جديد! كان حكمهم من قبل ومن بعد مكينا وسلطانهم واسعا.. واعتنق اليونان النصرانية، فما حدث لهم؟ كانوا أصحاب فلسفة مرموقة وفكر نابه! ما زادوا شيئا بمعتقدهم الجديد!
والعرب قبل محمد أو من غير محمد لا يزيدون عن قبائل أوشعوب تبحث عن رزقها فتجده بسهولة أو بصعوبة، أما بعد بعثته فقد تبدلوا خلقا آخر! لقد خرجوا من الظلمات إلى النور، وأخرجوا الناس من الظلمات إلى النور!
هذه الحقيقة الإجتماعية هدى إليها العلامة ابن خلدون بعد ما غاص في أعماق النفس العربية، وتابع السلطان السياسي للعرب مع اتساع الدائرة الإسلامية ودخول الناس في دين الله أفواجا..
لقد أكد أن العرب لا يقوم لهم ملك إلا على أساس نبوة ولا تنهض لهم دولة إلا على أساس دين، وأن الإيمان بالله وحده هو الذي ينظم ملكاتهم، ويصون مواهبهم، يجمع قواهم، ويوحد كلمتهم، ويجعلهم معمرين لا مدمرين، وحماة مثل لا أحلاس شهوات!
ونزيد هذه القضية وضوحا بإمعان النظر في خلائق العرب وفضائلهم الجنسية!
العربي شديد الاعتداد بنفسه قوي الإحساس بشخصه، وهذا خلق يعين على عمل العظائم وبلوغ الغايات العصية، غير أن هذا الشعور الإيجابي بالذات قد يتحول إلى كبرياء وجور على الآخرين وجحد لحقوقهم! ألا تلمح ذلك في شعر عمرو بن كلثوم وهو يقول:
ونشرب إن وردنا الماء صفوا ويشرب غيرنا كدرا وطينا!
أو قوله:
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما… تخر له الجبابر ساجدينا!
سبحان الله! لماذا هذا الغلو؟ إن هذا جنون، والغريب أن جنون الشعور بالذات يكمن وراء تقاليد كثيرة تصر عليها أفراد وأسر، وإن كان في صور أقل إثارة وأخفى دمامة…
ويقول مهلهل:
ولست بخالع درعي وسيفي إلى أن يخلع الليل النهار!
لم هذا التسلح الدائم؟ لمطاردة الفرس والروم الذين يحتلون شرق الجزيرة وشمالها؟
لا، إنه لمنازعات عاثلية ظلت أربعين سنة، وبدأت بقتل ناقة! الشعور بالذات هنا تحول من جهد يبنى ويعلى البناء إلى جهد يهدم وينشر الفناء!
والعربي يكره العار! حسنا ومن يحب العار؟ لكن كره العربي للعارجعل وجهه يسود إذا رزق بنتا! إنه يخاف عليها الأسر، ويخشى أن يصيبه من ذلك الذل! فليقتلها طفلة قبل أن تكبر وتؤسر..!!
فضائل ضلت طريقها فأمست رذائل! وما يهديها الطريق إلا الإسلام وحده، ولذلك يقول الله لهؤلاء: "فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم.. ". وقد نبأنا رسولنا عليه الصلاة والسلام بأن العرب سوف يستصحبون من خلال الجاهلية ما يشين مسيرتهم الدينية!، من ذلك الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب!
والواقع أن الانتماء العرقي له مكان واسع في تقاليدنا، بل إن من فقهاء المسلمين من اعتد به في عقد الزواج، وبنى عليه شرط الكفاءة الذي لابد منه في ال
المزيد